واصف جوهرية

23

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

إعجابهم لصوتي وسلمني القانون فنقرت عليه قليلا وكدت أطير من الفرح ! ! زاد شوقي إلى الغناء وقلت في نفسي متى أقدر أن أعزف آلة مثل هؤلاء الناس يا ترى ؟ ثم كان فونوغراف عند والدي من جنس [ نوع ] His Master's Voice وكان أول الاختراع . فالبوري يرتفع على خشب طويل وله مفصلات بصورة غير عملية ثم الكيوانات « 1 » كانت مسجلة على وجه واحد فقط كان مقدم كهدية من الراهب حنانيا إلى أخي خليل فكنا عندما نضع كيوان الشيخ سلامة حجازي " سلام على حسن يد الموت لم تكن " رواية روميو وجولييت ) فقد حفظت هذا التسجيل حتى أصبحت أتقنه بدرجة وكنت عندما لم أحسن إيداء نغمة ما فيها يجي والدي ويفرك لي أذني ثم يعيد غناء الأسطوانة حتى أضبط تلك الحركة تماما آه . ولكثرة حبه لفن الموسيقى والغناء كان يمنعني من حفظ قطع غناء رخيصة من الفونوغراف وكان يحاول جلب قصيدة مثلا للشيخ يوسف المنيلاوي " ضيعت عهد فتى لعهدك حافظ " وعلى شاكلتها من موسيقيين لهم مكانتهم في هذا الفن الجميل وكان يراقب اللغة والمعنى في غنائي وإني أذكر بأنني كنت أغني مرة " جددي يا نفسي حظك " وقد سمعتها من متري قسطندي المنى مرة وفيها بيت ( من يلومني في غرامي غدرة جهل الغرام أنا واللّه سقامي أصله هذا الغزال ) بالضبط كما كنت سمعتها ، وإذ ترك والدي شغله في قاعة الصالون وكان يكتب مسائل حكومية مع الشيخ سليم المملوك وخرج إلى الإيوان وصاح في وجهي " قائلا : أنا لا أريدك أن تغني شيء بذيء كهذا ولن أسمح لك بذلك ، وكأنك عامل وليس ابن مدرسة متعلم " . قلت ماذا قال ما هذا غزلان وأرانب ؟ يجب أن تقول أصله هذا ( الملام ) لأن قافية الأغنية بحرف الميم وليس حرف ( ل ) أي غرام . وثق بأنني لن أنسى هذه الوصية وصرت أجرب دائما على اتباع اللغة الصحيحة ولو كانت الأغنية طقطوقة . أولى أدواتي الموسيقية أصبح عندي رأس مال لا بأس فيه من المحفوظات الغنائية ولكن كنت أشعر دائما بحبي العميق للعزف على أي آلة موسيقية أستعين بها في غنائي وقد صادف أن والدي اشترى ( علبة تنك لبودرة صباغ البيض في عيد الفصح المجيد ) وبعد استعمالهم الصبغة أخذت العلبة وكانت مربعة مستطيلة مفتوحة من أعلاها بفتحة مربعة مساحتها تبلغ 18 * 11 سنتمتر تقريبا . فوضعت فيها من الفتحة العلوية خشبة طويلة وخرقت الطرف المقابل لتلك الفتحة حتى خرجت تلك العصا . ثم ضربت مسامير ثلاثة في قاعة العصا من تحت العلبة وثلاثة مسامير في طرفها الأول من أعلاها وربطت في هذه المسامير أوتارا وشددتها بدون دوزان طبعا واستعملت ريشة الحمام بالعزف مقلدا بهذا العملية العزف على العود . وكنت أعزف عليها لوحدي ومع أولاد الجيران ولم أتمكن من نطق ما أغنيه عليها ، وعليه كنت أغني بدونها ثم أرجع وأعزف الأوتار الغير منسجمة بعد الغناء معجب في نفسي وكان عمري على ما أذكر [ ما بين السادسة والثامنة ] .

--> ( 1 ) الكيوانات : المقصود بها الأسطوانات .